أبي حيان الأندلسي

34

البحر المحيط في التفسير

الألفاظ إلّا أمر بالاقتصار على عبادة اللّه ، فذلك هو المقضي لا نفس العبادة ، والمقتضي هنا هو الأمر انتهى . كأنه رام أن يترك قضى على مشهور موضوعها بمعنى قدر ، فجعل متعلقه الأمر بالعبادة لا العبادة لأنه لا يستقيم أن يقضي شيئا بمعنى أن يقدر إلّا ويقع ، والذي فهم المفسرون غيره أن متعلق قضى هو أَلَّا تَعْبُدُوا وسواء كانت أن تفسيرية أم مصدرية . وقال أبو البقاء : ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ألزم ربك عبادته ولا زائدة انتهى . وهذا وهم لدخول ألا على مفعول تَعْبُدُوا فلزم أن يكون منفيا أو منهيا والخطاب بقوله لا تعبدوا عامّ للخلق . وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون قَضى على مشهورها في الكلام ويكون الضمير في تَعْبُدُوا للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة انتهى . قال الحوفي : الباء متعلقة بقضى ، ويجوز أن تكون متعلقة بفعل محذوف تقديره وأوصى بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً و إِحْساناً مصدر أي تحسنوا إحسانا . وقال ابن عطية : قوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً عطف على أن الأولى أي أمر اللّه أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وأن تحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرناه يكون قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً مقطوعا من الأول كأنه أخبرهم بقضاء اللّه ، ثم أمرهم بالإحسان إلى الوالدين . وقال الزمخشري : لا يجوز أن تتعلق الباء في بِالْوالِدَيْنِ بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته . وقال الواحدي في البسيط : الباء في قوله بِالْوالِدَيْنِ من صلة الإحسان ، وقدمت عليه كما تقول : بزيد فامرر ، انتهى . وأحسن وأساء يتعدى بإلى وبالباء قال تعالى : وَقَدْ أَحْسَنَ بِي « 1 » وقال الشاعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة وكأنه تضمن أحسن معنى لطف ، فعدّي بالباء و إِحْساناً إن كان مصدرا ينحل لأن والفعل فلا يجوز تقديم متعلقه به ، وإن كان بمعنى أحسنوا فيكون بدلا من اللفظ بالفعل نحو ضربا زيدا ، فيجوز تقديم معموله عليه ، والذي نختاره أن تكون أن حرف تفسير ولا تَعْبُدُوا نهي و إِحْساناً مصدر بمعنى الأمر عطف ما معناه أمر على نهي كما عطف في :

--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 100 .